أبي حيان التوحيدي
257
المقابسات
فبهذا تسعد وبه تدرك بقاء الأبد . مت بالطبيعة قامعا لها ، تحيّ بالنفس رفيعا بها . لا نستشر العقل متلطخا بأوساخ الطبيعة ، فإنه يعافك ولا ينصحك ، ولكن توجه إليه طاهرا من كل دنس ، عاريا من كل فساد ، ثم اسمع منه فإنك لا ترى إلا الرشد ولا تجنى إلا الغبطة . الاختيار مركب من قوى النفس والطبيعة ، ولذلك كان معنى الانفعال فيه بالواجب أظهر من معنى الفعل منه بالامكان ، لأنه في انتسابه إلى النفس ذو صورة ، وقيامه بالطبيعة ذو هيولى ، وعلى هذا فنون الافعال كلها إلا ما بان في أوليته عنها وفي هذا الكلام [ إشباع ] لعله يقع في موضع آخر 63 مقابسة [ في سبب عدم صفاء التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون ] قلت لأبى سليمان يوما : لم لم يصف التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون وأمثلة الالفاظ ، كما صفا ذلك في الفلسفة ؟ وقد سمعناك تقول غير مرة : إن الشريعة إذا كانت حقا لا تكون كذلك إلا بقوة الإلهية [ و ] بعائد النمط الذي قد ورد وانتشر وصار عقد الدهماء ونحلة الجمهور ، وحتى صار في غمار هؤلاء من يشبه التشبيه الفاحش ، ويشير إليه الإشارة الخفية ؟ فقال في الجواب : قد قلنا مرارا في المذكرات التي سلفت ، والمعاني التي سنحت وعرفت ، إن الكلام الذي يراد به استصلاح العامة ، واستجماع الكافة ، لا بد أن يكون مرة مبسوطا ، ومرة موجزا ، ومرة مستقصى بالايضاح والافصاح ، ومرة مجموعا بالرمز والتعريض ، ومرة مرسلا على الكناية والمثل ، ومرة مقيدا بالحجج والعلل ، وعلى فنون كثيرة لا وجه